عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
505
اللباب في علوم الكتاب
ثم إنه تعالى : لما وصف القرآن بهذه الصفات قال : « ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ » فقوله « ذلك » إشارة إلى الكتاب وهو هدى اللّه وهو الذي شرح اللّه صدره ( أولا ) لقبول الهداية ومن يضلل اللّه أي يجعل قلبه قاسيا مظلما « فَما لَهُ مِنْ « 1 » هادٍ » . واعلم أن سؤالات المعتزلة وجوابها عن مثل هذه الآية قد تقدم في قوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] ونظائرها . قوله : « أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ » الآية لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وهو الضلال التام حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب الشديد فقال : « أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ » وتقريره أن أشرف الأعضاء الظاهرة هو الوجه لأنه محل الصباحة وصومعة الحواس ( والسعادة « 2 » والشقاوة ) لا تظهر إلا فيه ، قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [ عبس : 38 - 42 ] . ويقال لمقدم القوم : يا وجه العرب ، ويقال للطريق الدال على حال الشيء : إن وجه كذا هو كذا . فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء الظاهرة هو الوجه وإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه ، وإذا عرف هذا فنقول : إذا كان القادر على الاتّقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء « 3 » للوجه لا جرم حسن جعل الاتّقاء بالوجه كناية « 4 » ( عن العجز ) عن الاتقاء ونظيره قول النابغة : 4297 - ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب « 5 » أي لا عيب فيهم إلا هذا ، وهو « 6 » ليس بعيب « 7 » فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه فكذا ههنا لا يقدرون على الاتقاء يوجه من الوجوه إلا بالوجه ، وهذا ليس باتقاء ، فلا قدرة لهم على الاتقاء البتّة ، وقيل : إنه يلقى في النار مغلولة يده إلى عنقه ، فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه « 8 » ، وتقدم الكلام على الإعراب « 9 » . و « سوء العذاب » أشده ، وقال مجاهد « 10 » : يجر على وجهه في النار ، وقال عطاء : يرمى به في النار منكوسا ، فأول شيء يمس النار منه وجهه .
--> ( 1 ) بدل هذه الجملة في ب : « قاله ابن عمار » خطأ . ( 2 ) ما بين القوسين بياض من ب وتكملة من أو في الرازي وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه . ( 3 ) في ب : وقاية . ( 4 ) وفيها كفاية وما بين القوسين سقط من ب . ( 5 ) من الطويل له . والبيت من الشواهد البلاغية التي تسمى المدح بما يشبه الذم فالاستدراك والاستثناء بغير ما هو إلا تكملة وتفضلة لمدحه الأول . والبيت في الهمع 1 / 232 ومعاهد التنصيص 2 / 31 والمغني 114 وشرح شواهده 349 والكامل 1 / 346 والرازي 26 / 275 . ( 6 ) كذا في الرازي وهنا وفي ب : « وهذا » بدل من « وهو » . ( 7 ) في ب : بعجب غير مراد . ( 8 ) في الرازي يوجه وانظر : الرازي 26 / 275 . ( 9 ) في قوله السابق : « أفمن شرح اللّه صدره للإسلام » . ( 10 ) يجر من الجر على ما في كتب التفسير وفي ب يخر من خر له ساجدا .